حبيبان فقيران ولكنّهما سعيدان

وضَرَبَ الفقرُ سُرادقَه لديهم
كانت يتيمة فقيرة ترعرعت بكنف والديها المسكينين ، فالفقر عضّهما بنابه السام الذي لا يرحم . وكم من الليالي قضوها على الطوى لعدم وجود دانق يبتاعون به كِسرةً من الخبز يتبلّغون بها . إن هذا ليس فقراً بل إملاقٌ مدقع يُؤسَف له غاية الأسف. وسبب هذا الإملاق مرض الأب المزمن ، إذ سقطت عليه كتلةٌ حجرية، وهو يضرب بمعوله في الصخور، فهشّمته تهشيماً. فهو عامل يحصل على نقوده بشقّ النفس .
وكانت زوجته تقصد الأغنياء فتنظّف منازلهم وتقضي حاجاتهم لقاء دريهمات لا تغني ولا تسمن .
ولولاها لما استطاع الأب وصغيرته المدلّلة أن يتذوّقا الخبز الجاف والبصل الحرّيف، فهو طعامها الوحيد لفراغ أيديهما من النقود .
وكانوا لا يزورون ولا يُزارون . فمن هو الذي يهتمّ بأسرةٍ عائلها مهشّم الساق واليدين، مكسّر أضلاع الصدر، فضلاً عن أسنانه وأضراسه التي اجتُثَّت من أصولها حينا هوتْ عليه الكتلة الحجرية . فهو في فراشه كتلةٌ عديمة الحركة تحتاج لمن يمدّ لها يد العون ، طوال ساعات النهار . فكانت صغيرته تشرف على تلبية حاجاته وهي حزينةٌ بائسة لظروف الحياة التي وجدت بمحيطها .
ومات والدها
وشبّت عن الطوق ، وتفتّح جمالها ، وتفتّقت كنوز مفاتنها ، فأصبحت فتنةً للنظر ومتعةً للبصر .
وكان شعرها الحريريّ المُنسدِل على كتفيها يبلغ ، باستطالته ، قدميْها. إنه اعجوبة شعريّة مُذهلة استرعت الأنظار الفضوليّة.
وحسدَت الفتيات ساهمة ، وتمنّت كلٌ منهنّ لو كان شعرها طويلاً مثلها ، وحريرياً فاتن المنظر كشعرها الرائع .
ولكن ، ما كلّ ما يتمناه المرء يتحقّق .
وكان لساهمة صديقة اسمها أفراح تقطن بجوار منزلهم المؤلّف من غرفتين : غرفة لوالدها المريض ووالدتها، وقاعة للجلوس كانت ساهمة تتّخذها كغرفة نومٍ لها .
وهذه الصديقة لقّنت ساهمة الدروس الابتدائيّة ، فهي لا استطاعة لها لدخول المدرسة ، إذ تحتاج الى نقود، وليس من نقود لديها .
وعندما أتمَّتْ ساهمة سنيّها العشرين ، توفي والدها المُقعد، ولحقت به والدتها المُسنّة، فأصبحت يتيمة الأبوين ، ووحيدةً فريدة في عالم الشقاء والعناء .
ساهمة وحازم
ولتستطيع العيش اشتغلَت بمعملٍ قريب من منزلها الذي أصبح يخيفها بعدما طوى الردى والديها الحبيبين .
لهذا كانت ترجو صديقتها أفراح أن تقضي ليلها بضيافتها عندما تستطيع ذلك . وكانت والدة أفراح لا تُمانع ، فهي تعيش مع ابنتها الوحيدة في غرفةٍ صغيرة . فالفقرُ كان سميرهما. والعوز رفيقهما أيضاً كساهمة .
وكان في المعمل عشر فتيات وعشرة شبّان يعملون فيه . وقد لاحظت ساهمة أن أحد العمّال واسمه حازم ينظر اليها بطرفٍ خفيّ ، في بادئ الأمر ، ثم تجرّأ فحدّثها ، سائلاً عن أحوالها . واستلطَفتْ ساهمة هذا الشابّ الفقير ، وجارَتْه في أحاديثه . إذْ كانت تُجيبه عن كلّ سؤالٍ يُلقيه عليها . وبمضيّ الأيّام تحوّل الإعجاب الى حبٍّ جارف ، فكانا لا يطيقان الابتعاد أحدهما عن الآخر.
وكان حازم يعيش بكنف والده ووالدته ، ومعه شقيقُه مخزوم الذي يصغره بأربعة أعوام. وكان يُعيلهم جميعاً ، إذْ إنّ والده بلغَ من الكِبَر عتيّاً ولا يستطيع العمل لاعتلال صحّته .
وعندما بلّغ حازم والديه عَزْمه على الاقتران بساهمة ، دُهِشا رغم سرورهما البالغ ، إذْ قالا له :
– إنّنا نكاد لا نستطيع ابتياع الخبز بالنقود القليلة التي تحصل عليها . فكيف اذا زيدَتْ الى العائلة هذه العروس الفاتنة ؟
أجاب والديه :
– إن الله يدبّر أمورنا ، ومن ألقى اتكاله عليه لا يخيب .
زواج فولادة فَموت
وزفّت ساهمة لحازم ، ودُهِشَ كلُّ من شاهد شعرها العجيب المنسدل على كتفيها . فهو أعجوبةٌ رائعة يُفْتن الناظر لبهائه وملمسه الحريريّ واستطالته المُدهِشة . وهذا جعل محرّر جريدة الوطن العربي يكتب عنه مقالاً طويلاً، ويُعلن عن جائزة تُقدّمها إدارة الجريدة اذا وُجِد شعرٌ لفتاةٍ أخرى يُماثله طولاً ولوناً وملمساً .
لكنّ هذه الأمنية لم تتحقّق إذْ لم توجَد أيّة فتاة تماثل ساهمة بشعرها الرائع .
ومضت الأيّام، وتقلّصت الشهور ، ثم أُبيدت الأعوام … وها هي ستّة منها طواها القدر، وأصبح لساهمة أربعة أطفال بينهم ذَكرٌ جميل الصورة .
وأصيب والد حازم بمرض قاتل . وعند احتضاره نزع الوالد خاتمه الذهبيّ وقدّمه لابنه حازم ، موصياً إيّاه أن يحتفظ به، فهو تميمة تقيه الحوادث السيئة . وقال له إنه ورثه عن والده . ثم فاضت روحه .
فحزن حازم حزناً شديداً ، وبكاه ، ثم وُوري الثرى . وهذه نهاية كل مخلوق في هذه الغبراء. فَتعْساً لها من حياة.
اقتربَ العيدُ وازدادَت الهموم
كان حازم يذهب كلّ صباح إلى المعمل ، ولا يعود إلاّ في ساعةٍ متأخّرة من الليل ، فهو يدأب على العمل بنشاط ليستطيع أن يُعيل أسرته الكبيرة ، بعدما أصبح لديه أولاد أربعة: ثلاث إناث وذكَر جميل ، ثم هو وزوجته الحبيبة ووالدته المُسنّة.
أمّا ساهمة فقد تركت العمل ، إذ عليها أن تعتني بأطفالها ، ولهذا قلّ الدخْل بينما كثرت الأفواه التي تحتاج إلى الطعام، والأيّام قاسية ، وحاجات المرء كثيرة ، ومتطلّبات الأطفال عديدة. فليتَ القدر يجترح لهم معجزة تُقيلهم من عثرة الفقر المدقع .
كان عيد الميلاد يقترب ، فبعد أسبوع ترتدي المدينة حلّة العيد المجيد ، عيد مولد السيّد المسيح . ففي هذا اليوم يتزاور الناس ، وتكون بيوتهم نظيفة أنيقة تزينها سِلعٌ فنيّة لطيفة وآنيةٌ توضع بداخلها الأزهار لتبعث البهجة في الناظر اليها . ويتهادون في هذا اليوم هدايا كلّ حسب مقدرته المادية .
تمنيّاتٌ معسولة
وكانت ساهمة تتمنّى أن تبتاع لزوجها بذلةً جديدة . فبذلتُه أكلَ الدهر عليها وشرب . وفي أحد الأيام زارا متجراً مختصّاً ببيع الألبسة . وأُعجب حازم ببذلة بديعة جوخُها أصيل ، وألوانها رصينة ، ولكن ثمنها عشرة جُنيْهات . فمن أين له هذا المبلغ الضخم ؟
كما أنّ زوجتَه أُعجبت بفستان نفيس الصنع وقد وُشّيَ بورودٍ قانية ، وساهمة تحبّ الورد ، فتمنّته . ولكنّ ثمنه الفادح هو ستّة جُنيْهات ، فليس إلاّ الأغنياء يستطيعون ابتياعه . فدَمعَت عين زوجها حازم – إذ إنَّ عينه بصيرة ويده قصيرة … لا تستطيع الوصول لهذا المبلغ الكبير. فخرجا من المتجر ، وعادا الى منزلهما ، وكلٌّ منهما يتمنّى لو يستطيع أن يبتاع لحبيبه ما أحبّه .
يا لِشعرها المبدع
وفي صباح العيد اكتأَبت ساهمة وحزَنت نفسُها ، فهي تُريد أن تهدي زوجها وحبيبها هديّة العيد، ولكنها لا تملك البارة الفَرْد ، فذرفَت دموعها لعجزها عن تحقيق أمنيتها .
وفجأةً أنارت الابتسامة وجهها الوضّاء ، فقد أتتها فكرةٌ فجائيّة سرعان ما نفّذتْها .
وأسرعَت فارتَدت ثيابَها ، وذهبَت الى المدينة ، ودخلت الى متجر قرأتْ عنه إعلاناً في جريدة الوطن العربي ، فصاحبه مستعدّ لأن يبتاع شعر النساء بثمن جيّد.
وساومت صاحبَ المتجر على شعرها الرائع ، وقد ذهل حينما رآه بهذه الاستطالة والنعومة الفائقة. وقال لها :
– سأنقدُك أكبر مبلغ دفعتُه ثمناً لشعر ، وبإمكانك قراءة جدول مشترياتي ، فترَيْن أنني نقدتُكِ ثمناً له يفوق أيّ ثمن دفعتُه لشعرٍ آخر .
ورضيَتْ ساهمة بمبلغ الجُنيهات العشرة ثمناً لشعرها الفاتن. وجزّ المقراضُ الذي لا يرحم شعر ساهمة من أصوله ، فاذا هي صلعاء لا شعر فاتن يزين رأسها الذي أصبح عارياً – ربّي مثلما خلقتني .
ووضعت الإزار على رأسها كي لا تظهر صلعتُها ، وذهبت إلى المتجر المعهود ، وابتاعت منه البذلة الأنيقة لحبيبها حازم ، فبذلتُه التي يرتديها وحيدةٌ لديه ، وهو ما يزال يلبسها منذ
زواجه .
ورَدَّدَت بنفسها قائلة : ليت النقود التي بعتُ بها شعري كانت أكثر من عشرة جنيهات ، إذاً لا بتعت الفستان الذي تزينه الورود لي أيضاً . فثوبي الذي أرتديه هو منذ زواجي ، وقد بَلِيت ألوانه ، وكثرت رُقَعُه ، وتقطّعت خيوطه لتكرار رتْقها ، ولكن ما بيدي حيلة . وأسرعت عائدة إلى المنزل لتقدّم هديّتها لزوجها وحبيبها حازم.
يا للخاتم الواقي من النكبَات
وذهَب حازم الى الصائغ وساومًه على ثمن الخاتم . وبعد أخذٍ وردٍّ مُملّين خرج من متجر الصائغ وبجيبه ستة جنيهات ثمناً للخاتم الذي أوصاه والده أن يحتفظ به ، فهو تميمة تقيه الكوارث والملمّات .
ولكنه أراد أن يقدّم لزوجته وحبيبته هديّةً لائقةً في هذا العيد المجيد. وكم فكّر في الشهور الماضية أن يبتاع لها رداءً عِوضاً عن ردائها البالي، ولكنّ فراغ يده من النقود أرغمه على السكوت والنكوص ، والالم العظيم يقطنُ فى شغاف روحه.
لهذا صمّم على بيع تميمته النادرة التي هي إرثٌ من والده أباً عن جدّ، وليَكُنْ ما يكون .
وأسرع إلى متجر الأثواب الذي ذهب اليه مراراً وتكراراً ، وابتاع لها الفستان الرائع الموشّى بالورود التي تُحبها زوجته كثيراً ، ورزم الفستان بداخل علبة أنيقة حملها ، وكأنّه يحمل الكُرة الأرضيّة بما فيها ، والفرح يستبدّ به.
غَضْبة مضريّة فبُكاء الفرح والاعجاب
ودخل المنزل، واذا بزوجته الحبيبة تستقبله في يوم العيد هذا بقبلةٍ طويلة ، وكانت ، على غير عادتها ، واضعةً طرحةً على رأسها جلَّلتْها، وهي المرّة الأولى التي يراها فيها مغطّاة الشعر.
فسألها :
– لماذا تحجبين شعركِ بهذه الملاءَة يا حبيبتي ساهمة ؟وهل ترضين أن تحجب الشمس أنوارها عن دنيانا ؟
وقدّمتْ له ساهمة هديَّتها ، ففتح العلبة . واذا فيها البذلة التي ذهب مراراً ليبتاعها، ولكنّه لم يستطع شراءَها لغلائها ، فبُهِت ، واحتقن وجهُه ، وظهرَت بتقاطيعه غضبة مضريّة، فصاح بها :
– ومن أين لكِ النقود لتبتاعيها ؟ ! أعلميني كيف استطعتِ ابتياعها .
ونزعَتْ ساهمة البرقع عن رأسها ، فاذا هي صلعاء !
وللحال عرف حازم أنّ البذلة ثمنها شعر زوجته العجيب ، فبكى ، وقبّل يديها ، ودفن رأسه بصدرها وهو يشهق كالطفل الرضيع .
وأهداها الفستان المزيّن بالورود
وعندما استعاد هدوءه ، قدّم لها هديّته ، ففتحت علبتها واذا بداخلها الفستان الذي طالما تاقت اليه نفسها ، فشهقت فرحاً وعجباً وسألته :
– ومن أين لكَ النقود لتبتاعه أيها الحبيب ؟ بربّك ، أعلمْني ولا تُخْفِ عليّ خافية .
فمدّ لها يدَه ، فاذا هي ترى إصبعه لا يزينه خاتمُ والده التميمة .
وعندما حاولَت ملامتَه ، قال لها :
– وأنا يحقّ لي أن ألومكِ على شعرك السحريّ الذي لم تحمل نظيره أيّة ابنة حوّاء .
وتعانقا … وألصق كلٌ منهما شفتيه بشفتيْ إلفه ….
وإذا بأجراس الكنائس تُقرع …. واذا بالمذياع يُردّد النشيد الميلادي القائل :
“المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة” .
الدكتور داهش
الولايات المتحدة الأمريكية ، الساعة ١١,٣٠
قبل الظهر تاريخ ١٩٧٨/٥/١٩
من كتاب قصص غريبة وأساطير عجيبة، الجزء الثاني