أدب الدكتور داهش

الحلم الهابط إلى أرض البشر

 

مُهداة إلى ليلى داهش بمناسبة عامها الثامن عشر

وذاعت الانباء في جزيرة الاحلام السعيدة مُعلنة أن الكاعب الهيفاء أحلام ستغادر الجزيرة الحالمة المجاورة للمجرَّة والتي يحتاط  بفراديسها الخلابة ملايين من النجوم السابحة في فلكها العجيب…هذه الجزيرة الغارقة في الطمأنينة والهاجعة في سكينة عجيبة و الراتعة أبداً في نعيم مُقيم.

وما أذيع هذا النبأ حتى هرعت الربَّات ذوات الخفر و الدلال، و تسابقت كواعب جزيرة السعادة و غيدها الحسان، وحور عينها الأماليد تتبعهن قيان الجزيرة، و فتيات غابها، و حسان جداولها العذبة النمير.

و تحرك موكبهن العجيب. و في طليعته، كانت الإلهات ينشدن أناشيد عذبة تطرب الآذان لسماعها و تبهج القلوب لإيقاع جرسها الغريب.

و هكذا بلغ الموكب حيث تقطن الكاعب الهيفاء احلام، هناك في قلب الغاب الفتّان حيث تجري الجداول وتوقّع بخريرها ألحاناً لم تتعرّف بعد عليها إلا آذان سكان السماء.

وكان شلال ينثر ماسه على الغاب، فيتألق الرذاذ المُستقر على أفواف الأزاهير و براعم الورود، و تنعكس انواره و كأنها اليوااقيت العجيبة!

أما صبايا الماء فكنّ يتلاعبن ويتضاحكن وهنّ في جوف البحيرة المقدسة ثم ينشدن للكاعب أحلام و يحيينها  برفع أيديهن الغضَّة البضَّة.

واندفعت أحلام نحو الموكب القادم لوداعها و طبعت قبلة على فم كل منهن، إذ إن كلَّ ربَّة من الربَّات كانت صديقتها الصَدوق، و كل غادة هي رفيقة فتوتها، و كل كاعب هي لها أخت ودود.

وقد حاولت الربَّات أن يردعنها عن عزيمتها، ألا وهي مغادرة جزيرة الأحلام السعيدة، و الهبوط إلى أرض البشر حيث الألم المُدمى و الشقاء الدائم و البكاء المرير و المنغصات التي لا نهاية لها. و حذّرنها من مغبّة هذا التصميم المُخيف، وشرحن لها الأهوال التي ستحط عليها بأعبائها الباهظة منذ الدقيقة التي ستهبط فيها إلى عالم البشر التعساء.

ولكن الغادة الغيداء أحلام عزمت على مغادرة مدينة سعادتها، والقدوم إلى أرض تعاستها وأفهمت صديقاتها الملتاعات أن لديها من الأسباب ما يجعلها أشد تمسكاً بوجوب مغادرة هذا المكان الغائص بالنعيم الذي لا يوصف، واستبداله بشقاء الأرض و جحيم نكباتها المزلزلة.

كوكب عباقرة الموسيقى و نجم الأدباء و الشعراء

وانطلقت أكليتون باتجاه السُّدم نحو كوكب النور و الضياء، حيث تقطن أرواح عباقرة الموسيقيين الذين تركوا لعالم الأرض تراثاً  إلهياً من الأنغام، تُفنى الأجيال دون ان تزول خلوده المستَمد من السماء.

كما أن الإلهة بافاليا اتَّجهت نحو كوكب الخلود الباهر حيث تقطن أرواح الأدباء و الشعراء.

و بلغت كل من الرَّبتين إلى  سكان هذين الكوكبين نبأ عزم أحلام على مغادرة كوكب جزيرة الأحلام السعيدة. فهرع عباقرة الموسيقى و أساطين الأدب و الشعر إلى جزيرة الأحلام برفقة الرَّبتين للإشتراك في وداعِ حلم الجزيرة الفتيَّة.

وكانت تموج بقاطنيها و بمن وفد عليها من النجوم و الكواكب موجاً عجيباً والجميع يتهامسون بحزنٍ بادٍ على أسارير جباههم قائلين:

-إنها ستغادر كوكب الطمأنينة لتذهب إلى أرض الأبالسة والشياطين. فيا للغرابة التي لا تصدق!..

بتهوفن يعزم نشيد الوداع

وصمت الجميع و كأنَّ على رؤوسهم الطير عندما عزف بتهوفن نشيد الوداع الرائع بنغماته الشجيَّة، السماويّ بانسجام موسيقاه العلوية، والفتَّان بتأثر تموجاته السحرية العجيبة.

فسرت هذه النغمات في شغاف الأرواح المصغية بورعٍ وخشوع. وفجأة انهمرت الدموع من العيون النجلّ. وكان النشيج يعلو من حوريات الأدغال و بنات الغاب و فتيات الجداول.

وما انتهى بتهوفن العبقري من نشيده حتى عانق الجميع بعضهم بعضاً، وهم مغمورون بنشوة أنغام الموسيقى السماوية التي دعتهم يلمسون بأرواحهم أبواب النعيم الحافل باللذاذات التي لا يمكن لقلم بشري أن يصفها أبداً، وانتشى الجميع بخمرة هذه النغمات السماوية المستمدَّة من الله جُلَّت قدرته. إنها إكسير الآلهة، الأرباب العظام الراتعين في الفردوس، هناك في الجزر السعيدة حيث تتألق النجوم أبداً ببريقها المذهل للعقول، وحيث ينعمون ببهجات يضلّ فيها الفكر و يفنى على أبوابها الخيال.

ولرخامة تلك الانغام العذبة بشجوها، ولعميق تأثيرها على الأرواح، لم تتمالك الإلهات أن يهمرن من الدمع الغزير لتحرك عواطفهن الإلهيَّة المكبوتة.

وتتابع عباقرة الموسيقى على العزف، كل بدوره، فتقدّم فاجنر  وعزف بعض مقطوعاته الشهيرة، فطرب وأطرب.

وتلاه شوبان فسكر الحضور برحيق موسيقاه العجيبة.

وتبعه كريك الذي سحر سكان النجوم.

وفعل مثله الموسيقار ليست فصفق له الحضور تصفيقاً طويلاً. و عندما انتهى من عزفه أفسح مكانه لزميله برليوز فأبدع هذا العبقري أيّما إبداع، و ألهب الاكف بالتصفيق المتواصل له.

و كذلك حلّق المستمعون نحو الأعالي عندما صدحت أنغام جان سبستيان باخ و أوفنباخ و مندلسون و شومان، و قد أبدع كل موسيقار منهم في عزفه إبداعاً عجيباً.

ثم تقدم هندل و عزف مقطوعة موسيقية تنضح بالألم العميق لفراق الكاعب الصناع أحلام و مغادرتها لجزيرة الأحلام. و قد عبّر هندل بمقطوعته الشجية عما يساور نفوس قاطني جزيرة الأحلام السعيدة من الشجا العظيم و الألم الهائل لاقتراب ساعة افتراقهم عن غادتهم أحلام الفتية.

وهكذا برهن هندل أنه عبقري في تجسيم الآلام التي تساور الأرواح، بشكل أنغام سماوية. و للمرة الثانية صعد بأرواح المستمعين نحو الملأ الأعلى، وجعلهم يلمسون الألم لمس اليد فيسري في أعصابهم و يقطن في أعمق تخيلاتهم، مثلما فعل في المرة الأولى عندما كان يحيا في أرض البشر، يوم أذاع مقطوعته الموسيقية الشهيرة مُعبراً فيها عن آلام السيد المسيح له المجد.

وما انتهى هندل من مقطوعته الشجية حتى كانت الدموع تملأ الآفاق، والنشيج يوقّع موسيقاه من الصدور، والأنّات الحبيسة تخرج مرغمة من مكامنها حزناً على فراق أحلام الجزيرة.

وكانت نهاية هذه الحفلة الموسيقية الوداعية عودة العبقري بتهوفن للعزف. فأجاد و أبدع، و حلّق بالنفوس نحو الآفاق العلوية و الاجواز الإلهية، فانتشى وانشى. و شرب الجميع كؤوس الصهباء الإلهية على وقع أنغامه السماوية.

وعندما انتهى من عزف مقطوعاته الرائعة تقدمت أحلام، وشكرته على إبداعه العظيم. وحيّت زملاءه العباقرة، ثم وضعت إكليلاً من غار الجزيرة على رأس بتهوفن، و قدَّمت لكلّ من الموسيقيين طاقة من ورود الغاب وباقة من بنفسجه ورياحينه الفواحة. فشكرها بتهوفن وزملاؤه و زودها كل منهم بسرٍّ من أسرارِ موسيقاه قائلين لها:

-عندما تبلغين الأرض، وتمر بك السنون، و تبلغين فتوتك، إذ ذاك ستشعرين برغبة ملحة في الموسيقى و أنغامها، وستتلهفين لفك طلاسمها و بلوغ مكامن أسرارها. و ما ذلك إلا لأن كلاًّ منَّا قد زودك بسرّ من أسرار موسيقاه الخفية. و لكنك ستنسين هذا الأمر، لأن الجسد المادي الترابي الذي ترتدينه سيحول بينك و بين تذكرك لهذا الأمر. و لكننا نبشّرك بنبوغك الباكر في هذا المضمار، و إننا ننبئك بأنك ستصبحين موسيقارة عظيمة يُشار إليك بالبنان إذ سمح رئيس كوكبنا الوضاء أن ننفخ فيك هذه الروح، ونمنحك هذه النعمة الإلهيَّة، فبشراك!!…

فدهشت أحلام و كان سرورها بالغاً  أجابت:

-أشكر هذه النعمة التي منحتني إيَّاه العناية وسأبرهن أنَّني سأكون أهلاً لها.

لامرتين يلقي مقطوعة أدبية نثرية

وأشارت إلهة الأدب و الشعر إلى أديب فرنسا الكبير لامرتين أن يتقدَّم الحشد، ففعل. وألقى القطعة النثرية التالية:

الوداع يا حلم الجزيرة الفتان

عندما ينتصف الليل الدجوجيّ،

ويقترب الكوكب السعيد من نجمته السعيدة المتألقة بأضوائها الباهرة، و يبثها ما فعله حبها في فؤاده المتيّم بهواها،

وبعدما تهدل حمائم الجزيرة الحالمة هديل الأسى المدمى لشعورها بفراقها،

وعندما يغرد عندليب البحيرة الذهبية المياه بأسى عظيم، وهو يتنقل على رؤوس الدوح الباسق يشكوها ما سيفعل فراق أحلام بفؤاده الصغير،

وعندما تنوح يمامة الغاب الحزينة نواح كئيب يحمل في ثناياه معاني الشجن، و بعدما تثور شياطين العاصفة السوداء فتقتلع جبابرة الأشجار من جذورها و تبطش بكل من يمرّ في طريقها بطشاً ذريعاً، فتذعر من هذا الهول حتى جبابرة المخلوقات، و تفرّ من هول ما ترى و تسمع،

و بعدما تتحول غدران جزيرة الأحلام و بحيراتها  و جداولها إلى لون الدم القاني، كرمز حزن عميق على غادتها أحلام التي ستغادر ربوعها الخضر، و حدائقها الغناء، الفسيحة الأرجاء،

وعندما ينوح سكان هذه الجزيرة الهاجعة بطمانينة و سلام لعظيم حزنهم الطاغي لهذه الفجيعة المدلهمة الإهاب، و يشاركهم مصابهم  سكان الكواكب و السدم و قاطنو المجرة الهائلة المسافات، عند ذاك سترحل أحلام، أحلام…فاتنة الجزيرة المغناج.

نعم ، سيرحل حلمنا من جزيرة الاحلام، و لا يعلم إلا الله متى تكون ساعة عودتها إلى جزيرتها التي لن ترى السعادة إلا بعد أن تعود، فتعود السعادة إلى ربوعها.

فرحماك يا أحلام رحماك،

ألا تلمس الرأفة و الشفقة شغاف فؤادك الرقيق فتعودين عن رغبتك في الرحيل، و تقبلين البقاء بين من أحبوك كثيراً؟

أجيبي، أجابت السماء رغباتك و حققتها لك.

أحلام تريد الرحيل إلى عالم الأرض

وتكلمت أحلام فأصغى الجميع لحديثها الخلاب، ولوقع تأثيره الجذاب، فقالت:

-منذ تسعة أشهر حلمت حلماً هو أقرب للإلهام منه إلى الحلم. حلمت بوجوب زيارتي لعالم الأرض و المكوث فيها ردحاً  من الزمن لا يعرفه إلاّ  اله الخالق واهب الحياة، و مقسم الأعمار. و ذهابي سيكون من أجل الاجتماع بشخص أجهله الآن، و سأعرفه عند بلوغي أرض البشر. إنه يمت لي بصلة القربى، و سأعيش تحت سقف منزله، و سيدربني في عالم الأرض و سيثقفني و يدعني اتذوق لذة الفن الذي تعرفونه أنني أحبه حباً جماً، و سيفتح لي مغاليق أسرار الأدب لأزداد من اغتراف رحيقه الذي لا يمكن الارتواء منه، إذ ما يكاد سيزرع في أعماق روحي حب الموسيقى.

و سيكون هبوطي إلى الأرض لأداء رسالة لا أعرف عنها الآن شيئاً لأن الأمور مرهونة بأوقاتها. و عندما تدق هذه الساعة سأعرف تفاصيل رسالتي و أنفذها بحذافيرها.

 وإنني متأكدة مما شاهدته في الرؤيا الإلهامية بأن الآلام ستحط عليّ حطاً ثقيلاً، و سأسير في دروب تكثر لي في منعطفاتها أشواك حادة ستدمي قدميّ و تغرس في يديّ. و لكن… ما قدر سيكون. و جميعكم تعلمون  أن الملاك أنبأ يوسف في الحلم بوجوب تهريب السيد المسيح إلى مصر، فصدع يوسف و مريم للرؤيا المقدسة. و من واجبي انا ، أن أصدع للرؤيا المقدَّسة التي شاهدتها منذ تسعة أشهر، إذ حددت لي مدَّة أقصاها تسعة أشهر يجب عليّ في نهايتها أن أتأهّب للهبوط إلى أرض البشر. و اليوم هو نهاية الشهور التسعة.

رضوخ سكان جزيرة الأحلام للأمر الواقع

وملاك يتجلّى أمام الجميع

وأصغى الجميع للحلم تقصّه عليهم الغادة الهيفاء أحلام فتاة جزيرتهم الذكية الحاضرة الذهن. ثم حنوا رؤوسهم علامة الطاعة لوحي الحلم المقدَّس. و فجأة ظهر نور باهر خطف الأبصار، و هبطت سحابة بيضاء كالثلج يجلس عليها ملاك ووجهه يتألق بالنور العجيب، و من حوله ملائكة الحب ينشدون أناشيد إلهيَّة لا يمكن أن يسمعها إلا سكان كواكب السعادة الذين خلعوا أجسادهم المادية فبلغوا هذه النجوم النيِّرة المترعة بالبهجات.

وعندما شاهدته أحلام صاحت:

إنه هو نفسه الذي شاهدته في الحلم و قد اعلمني يومذاك بأنه سيحضر بعد تسعة أشهر ليصحبني إلى عالم الأرض. و ها هو قد أتى مثلما وعد.

وعندما هبطت السحابة جثا الجميع أمام جلال هذا الملاك و جماله الإلهي، و سبّحوا الخالق المبدع. فاستدعى الملاك فتاة الجزيرة أحلام الفتَّانة، و بلَّغها أنه سيصحبها إلى الأرض و سيزوّدها بسيَّالات من الموسيقيين و الأدباء وأرباب الفنون الجميلة، و أنها ستكون رسولة بتهوفن و خليفته أثناء إقامتها في أرض البشر.

وعندما اقتربت منه أجلسها على السحابة و مرّ بيده أمام ناظرها و قال لها:

ستشاهدين الآن سكان الشرق بأسرهم. أما الغرب فلن تشاهديه لأنك ستهبطين إلى الشرق. هذا هو الأمر الإلهي. ولك أن تختاري العائلة التي تودين النتساب إليها، فأنيلك بغيتك مثلما ترومين، فالخيار هو لك يا أحلام!

وبما أن هبوطي كان ليلاً، فسيكون اسمك على الأرض، يا أحلام، هو ليلى، أي أن هبوطي لمرافقتك كان ليلياً.

وفجأة شاهدت مدن الشرق بأسرها. و بلمحة خاطفة تغلغلت بروحها في أرواح الملايين من سكان المدن. وسرت بنفسها في أرواح و قلوب الملايين من العائلات، فاختبرت ميولهم و قرأت أفكارهم، و ماشت رغباتهم، واكتشفت أدقّ أسرارهم، و بلغت مكامن آمالهم، و عرفت  ميولهم واتجاهاتهم. ثم انتقلت من مدينة إلى مدينة حتى بلغت مدينة القدس. و بعدما فحصت عشرات الألوف من قاطني هذه المدينة،استقرت في منزل شخص تأكَّد لها، بالمقدرة الروحية التي وهبها إياها الملاك، أنه الشخص الذي تريد أن  تنتسب إليه، لأنها قرأت أعماق روحه، فتأكد لها أنه يحيا للفن ويضحّي بكلِّ ما تملك يمينه على مذبح الفن و الأدب وما يتفرّع عنهما من فنون جميلة. فقالت للملاك:

-هذا هو من أختار. فخذني بركابك يا ملاك الله.

و نفخ الملاك بوقه على وجه أحلام فإذا بها تختفي فجأة، و يغيب جسدها أمام دهشة الحضور و عجبهم الشديد.

و تهبط السحابة و عليها الملاك، و هو يقبض بيده على روح أحلام. و عندما بلغ ملاك الرب مدينة القدس، هبط في المنزل الذي انتخبته أحلام و أطلق روحها الفتَّانة في ذلك المنزل.

و في اللحظة نفسها ولدت أحلام و هي تصرخ الصرخة المعروفة التي يطلقها كل مولود على الأرض.

وولدت ليلى. و كانت ولادتها في مدينة القدس بتاريخ 24 حزيران 1936

 

بيروت 24 حزيران 1954 الساعة السادسة مساء.

من كتاب قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الأول

error: Content is protected !!